مجد الدين ابن الأثير
219
النهاية في غريب الحديث والأثر
الثلث ، لأن القرآن العزيز لا يتجاوز ثلاثة أقسام ، وهي : الإرشاد إلى معرفة ذات الله تعالى وتقديسه ، أو معرفة صفاته وأسمائه ، أو معرفة أفعاله وسنته في عباده . ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة ، وهو التقديس ، وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن ، لأن منتهى التقديس أن يكون واحدا في ثلاثة أمور : لا يكون حاصلا منه من هو من نوعه وشبهه ، ودل عليه قوله : لم يلد . ولا يكون هو حاصلا ممن هو نظيره وشبهه ، ودل عليه قوله : ولم يولد . ولا يكون في درجته - وإن لم يكن له أصلا ولا فرعا - من هو مثله ، ودل عليه قوله : ولم يكن له كفوا أحد . ويجمع جميع ذلك قوله : قل هو الله أحد . وجملته : تفصيل قولك : لا إله إلا الله . فهذه أسرار القرآن . ولا تتناهى أمثالها فيه . ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . [ ه ] وفي حديث كعب ( أنه قال لعمر رضي الله عنه : أنبئني ما المثلث ؟ فقال : وما المثلث لا أبا لك ؟ فقال : شر الناس المثلث ) يعني السعي بأخيه إلى السلطان ، يهلك ثلاثة ، نفسه ، وأخاه ، وإمامه بالسعي فيه إليه . وفي حديث أبي هريرة ( دعاه عمر رضي الله عنه إلى العمل بعد أن كان عزله ، فقال : إني أخاف ثلاثا واثنتين ، قال : أفلا تقول خمسا ؟ فقال : أخاف أن أقول بغير حكم ، وأقضي بغير علم . وأخاف أن يضرب ظهري ، وأن يشتم عرضي ، وأن يؤخذ مالي ) الثلاث والاثنتان هذه الخلال الخمس التي ذكرها ، وإنما لم يقل خمسا ، لآن الخلتين الأوليين من الحق عليه ، فخاف أن يضيعه ، والخلال الثلاث من الحق له ، فخاف أن يظلمه ، فلذلك فرقها . ( ثلج ) في حديث عمر رضي الله عنه ( حتى أتاه الثلج واليقين ) يقال ثلجت نفسي بالأمر تثلج ثلجا ، وثلجت تثلج ثلوجا إذا اطمأنت إليه وسكنت ، وثبت فيها ووثقت به . ومنه حديث ابن ذي يزن ( وثلج صدرك ) . ( س ) وحديث الأحوص ( أعطيك ما تثلج إليه ) . وفي حديث الدعاء ( واغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ) إنما خصهما بالذكر تأكيدا للطهارة ومبالغة فيها ، لأنهما ما آن مفطوران على خلقتهما ، لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي ، ولم تخضهما